❗خاص ❗️sadawilaya❗
صدى الولاية | متابعة قانونية
تكتسب التصريحات المصوّرة المنسوبة إلى وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس أهمية استثنائية في مسار توثيق الاعتداءات على لبنان، بعدما أظهرت مقتطفات متلفزة حديثه عن تدمير أكثر من ستين قرية جنوبية، وهدم نحو 23 ألف منزل، وعن مساحة تبلغ 700 كيلومتر مربع طاولها الدمار.
أخطر ما يمكن أن يحدث بعد تصريحات تتحدث عن تدمير عشرات القرى وآلاف المنازل هو أن تتحول إلى خبر عابر، بدلاً من أن تصبح أساساً لتحرك قضائي منظم.
وتتجاوز خطورة هذه التصريحات مجرد الأرقام؛ إذ إنها تصدر عن مسؤول سياسي وعسكري رفيع المستوى، بما يجعلها مادة جدية للتحقيق في طبيعة القرارات العسكرية، وحجم العمليات، ومدى علم القيادة بنتائجها.
وعند ربطها بالتصريحات الأخرى المنسوبة إليه بشأن اعتماد «نموذج غزة» في جنوب لبنان، تبرز ضرورة التحقيق في احتمال وجود سياسة عسكرية قائمة على التدمير الواسع للمناطق السكنية وإجبار المدنيين على النزوح.
ولا يعني ذلك اعتبار التصريحات حكماً قضائياً مثبتاً، بل التعامل معها بوصفها أدلة محتملة تستوجب الحفظ والتحقيق والمقارنة مع الوقائع الميدانية.
أولاً | لماذا تشكّل التصريحات دليلاً مهماً على مستوى المسؤولية الجنائية؟
في القانون الجنائي الدولي، قد تُستخدم تصريحات المسؤولين السياسيين والعسكريين لإثبات علمهم بالعمليات، أو الكشف عن الأهداف والسياسات المعلنة، أو المساعدة في تحديد الصلة بين القيادات والجرائم التي ارتُكبت على الأرض.
وتزداد أهميتها عندما تتضمن حديثاً مباشراً عن تدمير مناطق سكنية واسعة، أو اعتماد نمط عسكري متكرر، أو نتائج العمليات المتعلقة بتهجير السكان.
وإذا ثبت أن كاتس أعلن هذه الوقائع وهو مطّلع على تفاصيلها بحكم منصبه، فقد يدعم ذلك التحقيق في عنصر العلم، لكنه لا يثبت وحده مسؤوليته عن إصدار أوامر غير مشروعة أو توافر القصد الجنائي المطلوب.
أما العبارة المنسوبة إليه بشأن تطبيق «نموذج غزة»، فإن صحتها في التسجيل الأصلي، فقد تكون ذات أهمية خاصة عند التحقيق في احتمال اتباع سياسة منهجية تتجاوز الأهداف العسكرية المشروعة.
ثانياً | التدمير الواسع لا يبرره الادعاء بوجود أنفاق أو منشآت عسكرية
لا يسمح القانون الدولي الإنساني بتدمير القرى والمنازل بصورة شاملة لمجرد الادعاء بوجود أنفاق أو منشآت عسكرية تحت الأرض.
فوجود هدف عسكري مشروع داخل منطقة سكنية لا يسقط الحماية القانونية عن بقية الأعيان المدنية، ولا يعفي القوات المهاجمة من واجبات التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات الممكنة.
وتحظر القواعد العرفية للقانون الدولي الإنساني توجيه الهجمات عمداً ضد المدنيين والأعيان المدنية، كما تحظر الهجمات العشوائية وغير المتناسبة.
وتتناول المادة الثامنة من نظام روما الأساسي صوراً مختلفة من جرائم الحرب، منها مهاجمة المدنيين والأعيان المدنية عمداً، والتدمير غير المشروع للممتلكات، والهجمات التي تتسبب بأضرار مدنية مفرطة بوضوح مقارنة بالميزة العسكرية المتوقعة.
أما المادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة فتحظر على قوة الاحتلال تدمير الممتلكات في الأراضي المحتلة، ما لم تقتضِ ذلك العمليات العسكرية بصورة حتمية.
وعليه، فإن الحديث عن إزالة عشرات القرى من الوجود، إذا ثبت ميدانياً، يفرض التحقيق في مدى توافر الضرورة العسكرية في عمليات التدمير، بدلاً من افتراض مشروعيتها استناداً إلى تصريحات القيادة العسكرية نفسها.
ثالثاً | مسؤولية كاتس الشخصية ومسؤولية قيادات جيش الاحتلال
تتيح المادتان 25 و28 من نظام روما الأساسي مساءلة المسؤولين عن الجرائم الدولية وفق دور كل منهم في إصدار الأوامر أو المساهمة في تنفيذ الجرائم، أو وفق شروط مسؤولية القيادة والإشراف.
كما تقرر المادة 27 أن الصفة الوزارية أو الرسمية لا تمنح صاحبها حصانة من المسؤولية أمام المحكمة الجنائية الدولية عندما يتوافر اختصاصها.
وبالتالي، يمكن أن تشمل التحقيقات المسؤولين السياسيين والعسكريين الذين يُشتبه في قيامهم بالتخطيط لعمليات تدمير غير مشروعة، أو إصدار الأوامر بتنفيذها، أو الإسهام فيها، أو الإخفاق في منع جرائم مرؤوسيهم ضمن الشروط القانونية المحددة.
ويمكن إدراج تصريحات كاتس ضمن ملف أدلة يبحث في علاقته بالقرارات والعمليات العسكرية التي أدت إلى تدمير القرى اللبنانية.
ولا يُشترط أن يكون المسؤول قد نفّذ التدمير بيده كي يُسأل جنائياً، لكن لا بد من إثبات دوره أو مسؤوليته القيادية وفق الأدلة والقانون.
رابعاً | كيف يستطيع لبنان تحريك الملاحقة أمام المحكمة الجنائية الدولية؟
يملك لبنان خيارات قانونية تستحق الدراسة، في مقدمتها إمكانية قبول اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بشأن جرائم محددة وقعت على أراضيه، استناداً إلى المادة 12(3) من نظام روما الأساسي، إذا لم يكن طرفاً في النظام عند اتخاذ هذه الخطوة.
ويقتضي ذلك قراراً رسمياً من السلطات اللبنانية المختصة، وإيداع إعلان قانوني مستوفٍ للشروط لدى مسجّل المحكمة.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية لأنها قد تفتح باب التحقيق في الجرائم الداخلة ضمن اختصاص المحكمة، حتى لو كان المشتبه فيهم من رعايا دولة ليست طرفاً في نظام روما.
غير أن قبول اختصاص المحكمة ليس قراراً شكلياً؛ فهو يتيح فحص الجرائم المشمولة بالإعلان أياً تكن الجهة المشتبه في ارتكابها، ولا يضمن تلقائياً فتح تحقيق أو إصدار مذكرات توقيف.
كما يستطيع لبنان تقديم الأدلة والمعلومات إلى مكتب المدعي العام، إلا أن تقديم المعلومات وحده لا يُنشئ اختصاصاً قضائياً غير قائم.
ومن المسارات الأخرى الممكنة إحالة مجلس الأمن الحالة إلى المحكمة وفق المادة 13(ب)، مع ما يرافق ذلك من عوائق سياسية.
خامساً | محكمة العدل الدولية ومحاسبة دولة الاحتلال
إلى جانب المسؤولية الفردية، يمكن دراسة سبل مساءلة دولة الاحتلال الإسرائيلي عن الأفعال المخالفة للقانون الدولي والمنسوبة إلى أجهزتها الرسمية وقواتها المسلحة.
وتتيح قواعد المسؤولية الدولية للدول المطالبة بوقف الانتهاكات، وضمان عدم تكرارها، وجبر الأضرار التي تثبت مسؤولية الدولة عنها.
أما التقاضي أمام محكمة العدل الدولية فيتطلب وجود أساس قانوني لاختصاص المحكمة، سواء استناداً إلى معاهدة نافذة ذات بند اختصاص ملائم، أو إلى قبول الدول المعنية اختصاص المحكمة وفق القواعد المقررة.
ويمكن للبنان أيضاً إثارة المسألة عبر أجهزة الأمم المتحدة المختصة، والمطالبة بتحقيقات دولية مستقلة في التدمير الواسع والتهجير القسري والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية المدنية.
ويجب التمييز بين المسارين: محكمة العدل الدولية تبحث في مسؤولية الدول، والمحكمة الجنائية الدولية تحاكم الأفراد.
سادساً | القضاء اللبناني والولاية القضائية العالمية
يشكّل القضاء اللبناني نقطة انطلاق أساسية لتجميع الأدلة والتحقيق في الجرائم الواقعة على الأراضي اللبنانية، ضمن حدود القوانين الوطنية وقواعد الاختصاص.
ويمكن إعداد ملفات منفصلة للقرى المتضررة، تتضمن صور المباني المهدمة، وإثباتات الملكية، وتواريخ العمليات، وشهادات السكان، وتقارير الخبراء، والأضرار البشرية والمادية.
كما يمكن دراسة إمكان تقديم شكاوى جنائية أمام سلطات قضائية أجنبية تتيح قوانينها ممارسة الولاية القضائية العالمية على بعض الجرائم الدولية الخطيرة.
وتختلف شروط هذه الملاحقات بين دولة وأخرى، وقد تتعلق بطبيعة الجريمة ووجود المشتبه فيه على أراضيها وحصانات المسؤولين والقواعد الإجرائية المعتمدة.
لذلك يجب إعداد الملفات بمعايير قضائية تسمح بإحالتها إلى أكثر من جهة مختصة، بدلاً من الاكتفاء بوثائق إعلامية لا تستوفي شروط الإثبات.
سابعاً | من المطالعة القانونية إلى تحرك لبناني رسمي
إن التصريحات المنسوبة إلى كاتس تستدعي، من الناحية القانونية، تحركاً لبنانياً مؤسسياً يبدأ بتوثيق التسجيل الأصلي وترجمته، وجمع الأدلة المستقلة على التدمير والتهجير.
ويقتضي ذلك تعاون وزارة الخارجية والمغتربين ووزارة العدل والجهات القضائية والمؤسسات الوطنية المختصة، والاستعانة بخبراء القانون الدولي والأدلة الجنائية الرقمية وصور الأقمار الصناعية.
كما ينبغي مطالبة الأمم المتحدة والجهات الدولية المختصة بحفظ الأدلة المتوافرة لديها حول الاعتداءات، وإتاحتها للجهات القضائية وفق القواعد القانونية والإجرائية.
والغاية هي بناء ملف يحدد مسؤولية كل جهة وكل شخص عن الأفعال التي تثبت مخالفتها للقانون الدولي، ويتيح المطالبة بالمحاسبة والتعويض.
الخلاصة
إن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد تصريحات تتحدث عن تدمير عشرات القرى وآلاف المنازل هو أن تتحول إلى خبر عابر، بدلاً من أن تصبح أساساً لتحرك قضائي منظم.
فالقانون الدولي لا يمنح أي قيادة عسكرية حق تحويل المناطق المدنية إلى أرض مدمرة بحجة الضرورات الأمنية، ولا يجيز تهجير السكان أو استهداف ممتلكاتهم بصورة مخالفة لقواعد الحرب.
وإذا أثبت التحقيق أن ما وصفته القيادة الإسرائيلية بالتدمير الواسع كان نتيجة سياسة عسكرية غير مشروعة، فإن المسؤولية قد تطاول المنفذين ومصدري الأوامر والقيادات المعنية، إلى جانب المسؤولية الدولية للدولة.
وعليه، فإن المطلوب لبنانياً ليس الاكتفاء بإدانة تصريحات كاتس، بل تحويلها إلى ملف قانوني موثّق، ومتابعته أمام الجهات القضائية الوطنية والدولية المختصة، صوناً لحقوق الضحايا ومنعاً للإفلات من العقاب.
إعداد وتحرير: ماجدة عباس الموسوي
رئيس تحرير موقع صدى الولاية الإخباري